عقتنيت بين الماضي والحاضر
2026-09-26
تقف عقتنيت اليوم على تخوم الماضي والمستقبل، حاملةً في ذاكرتها تاريخاً طويلاً من الحياة الجنوبية الأصيلة، وفي واقعها الحالي طموحاً متجدداً نحو التنمية والتطور.
هذه البلدة الوادعة الواقعة في قضاء الزهراني، على مسافة نحو 9 كيلومتر من مدينة صيدا، لم تكن يوماً مجرد موقع على الخريطة، بل كانت دائماً جزءاً من الحكاية الجنوبية بكل ما تحمله من صمود وانفتاح وتمسك بالأرض، وتحمل جزءاً من الغنى الثقافي الجنوبي النابع من تاريخه العريق وتنوع مكوناته الاجتماعية، وهذا الإرث يتجسد في التوق الى العلم والمعرفة وحفظ الشعر ونظمه.
تمحورت الحياة في عقتنيت حول الأرض والمدرسة والكنيسة. كانت العلاقات الاجتماعية أكثر من مجرد جوار، كانت شبكة تضامن حقيقية يتشارك فيها الناس الأفراح والأتراح والعونة والمواسم الزراعية ومناسبات القرية المختلفة. اعتمد أهالي البلدة على الزراعة بدرجة كبيرة، مستفيدين من الأراضي الخصبة ومن موارد المياه الطبيعية التي اشتهرت بها المنطقة. كما لعبت العين القديمة التي تعبر وسط البلدة، والتي تتجدد في بداية كل ربيع، دوراً مركزياً في تشكيل هويتها العمرانية والاجتماعية، إذ كانت ملتقى للأهالي ومصدراً للحياة اليومية، العملية والترفيهية على السواء.
التحولات الاجتماعية... من البلدة الصغيرة إلى المجتمع المتصل بالعالم
يتجاوز الانتماء إلى عقتنيت حدود السكن الجغرافي ليصبح جزءاً من الهوية الشخصية لكل فرد، فالأسماء والعائلات والذكريات تتوارث جيلاً بعد جيل، محافظة على خصوصية عقتنيت ضمن النسيج المتنوع لجنوب لبنان، وقد شهدت العقود الأخيرة تحولات كبيرة في نمط الحياة. فقد فتحت وسائل التعليم الحديثة والهجرة والاغتراب آفاقاً جديدة أمام أبناء البلدة، وأصبح كثير من أبنائها منتشرين في لبنان والخارج، يحملون معهم صورة عقتنيت أينما ذهبوا. في الوقت نفسه، ساهمت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في إبقاء الروابط قائمة بين المقيمين والمغتربين، فهم يتابعون أخبار بلدتهم ويواكبون تطور الأحداث فيها عن قرب، داعمين أهلهم في الأزمات والظروف الصعبة.
الرياضة... مساحة تجمع الأجيال
لم تكن الرياضة في عقتنيت مجرد نشاط ترفيهي، بل كانت دائماً مساحة للقاء والتفاعل بين الشباب، فوجود النادي الثقافي الرياضي في البلدة منذ سبعينيات القرن الماضي هو دليل على إدراك مبكر لأهمية النشاط الرياضي والثقافي في بناء المجتمع المحلي. في الماضي، كانت الملاعب الترابية والساحات العامة تشكل مركزاً للحياة الرياضية، حيث يلتقي الشباب لممارسة الكرة الطائرة، كرة السلة وكرة القدم والأنشطة المختلفة.
عقتنيت اليوم... بين الأصالة والتجدد
شهدت البلدة خلال السنوات الأخيرة عدداً من المبادرات الإنمائية والخدماتية التي استهدفت تحسين البنية التحتية والبيئة العامة، من حملات التنظيف إلى أعمال تعبيد الطرق وتحسين الخدمات البلدية، في محاولة لمواكبة احتياجات الأهالي وتعزيز جودة الحياة، لكن القيمة الحقيقية لعقتنيت لا تكمن فقط في المشاريع والإنجازات المادية، بل في قدرتها على الحفاظ على شخصيتها الخاصة وسط عالم سريع التغيّر، فهي ما زالت بلدة تعرف أبناءها، وتحفظ ذاكرتها، وتتمسك بجذورها الأصيلة.
نحو المستقبل
عقتنيت اليوم ليست هي نفسها عقتنيت الأمس، لكنها أيضاً لم تفقد روحها. تبدلت البيوت والطرقات ووسائل التواصل، وتغيرت أنماط الحياة، إلا أن جوهر البلدة بقي ثابتاً: محبة الأرض، والانتماء للمجتمع، والتمسك بالقيم التي صنعت هويتها عبر الأجيال، وإذا كان الماضي يمثل الجذور، فإن المستقبل يمثل الفرصة. وبين الجذور والفرصة، تواصل عقتنيت كتابة حكايتها الخاصة، حكاية بلدة صغيرة بحجمها، كبيرة بأهلها وتاريخها وثقافتها.